تفسير رسالة بطرس الرسول الثانية اصحاح 1 جـ2
طريق الجهاد
"قدموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة. وفي المعرفة تعففًا، وفي التعفف صبرًا، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودة أخوية، وفي المودة الأخوية محبة" [6-7].
يربط الرسول الفضائل بعضها البعض دون تقديم الواحدة عن الأخرى، فلا يقول "بعد إيمانكم فضيلة" بل "في إيمانكم فضيلة". وكما يؤكد آباء الكنيسة أن الفضائل كما الرذائل هي سلسلة مترابطة وانعكاسات على بعضها البعض بطريقة لا تنفصل.
1. فضيلة: يطالبنا الرسول أن نقدم في الإيمان أعمالاً حتى لا يكون ميتًا.
2. معرفة: من يسير في الفضيلة بغير معرفة، يكون كمن يسير بلا هدف، ومن يدّعي المعرفة بغير السلوك في الفضيلة يكون ثرثارًا متكبرًا.
3. تعفف: من له معرفة عملية تعرف نفسه الخطية، بل وكل ما هو زمني مشتاقًا إلى الأبديات، وكما يستند التعفف أي ضبط النفس على المعرفة، يسند هو أيضًا المعرفة.
4. صبر: ضبط النفس أو التعفف النابع عن محبة السماويات يبعث في النفس قدرة على الاحتمال والصبر، فيترك الإنسان كل شيء برضا. هذا الصبر أو الاحتمال أيضًا يسند التعفف، لأن بدونه لا يقدر الإنسان أن يكون ضابطًا لنفسه.
5. تقوى: الاحتمال من أجل السماويات يهب للنفس تقوى، أي يبعث فيها الورع والمخافة الإلهية، وهذه التقوى تعين الإنسان، فيحتمل صابرًا.
6. المودة الأخوية: من يخاف الله ويتّقيه يعامل إخوته بلطفٍ وحنانٍ، وهذه المودة الأخوية أيضًا تملأ القلب ورعًا وتقوى.
7. المحبة: أما من يحب فقد اقتنى كل الفضائل، ولا تقوم فضيلة ما بغير محبة. هذا وقدر ما يتسع القلب للمودة الأخوية يحب الله، وقدر ما يحب الله يتسع لمودة الناس.
يقول القديس دوروثيؤس: [تصور دائرة تخرج من مركزها أشعة أو خطوط. فبقدر ما تبتعد الخطوط عن المركز تفترق عن بعضها البعض... وبالعكس كلما اقتربت من المركز تقاربت نحو بعضها البعض. افترض أن هذه الدائرة في العالم ومركز الدائرة هو الله. والخطوط من المركز إلى المحيط أو من المحيط إلى المركز هي طريق حياة البشر، فإننا نجد نفس الأمر، فبقدر ما يتحرك القديسون في داخل الدائرة تجاه المركز راغبين في الاقتراب من الله، يقترب كل منهما للآخر.]
أهمية الجهاد وخطورة التخلي عنه
1. "لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت، تصيّركم لا متكاسلين، ولا غير مثمرين، لمعرفة ربنا يسوع المسيح" [8].
متى كان فينا الجهاد في الفضائل السابق ذكرها، ونمونا فيها، تصّيرنا في حياة حيّة نشيطة مملوءة ثمارًا. هذه الثمار وسيلة للتعرف على ربنا يسوع معرفة حقيقية. من أجل هذا تطلب الكنيسة من الإشبين أن يزرع في الطفل المعمّد هذه الفضائل على الأرض الجيدة الخارجة من المعمودية والمرويّة بالماء حي والروح القدس.
2. "لأن الذي ليس عنده هذه هو أعمى، قصير البصر، قد نسى تطهير خطاياه السالفة" [9].
وأما من كان خاليًا منها فهو أعمى بلا بصيرة روحية، فقد إدراكه لقيمة التطهير السالف الذي ناله في المعمودية، وهو قصير البصر لا تتعدى عيناه الأرضيات، مضروب بالنسيان من جهة أعمال اللَّه معه.
3. "لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين، لأنكم إذا فعلتم ذلك لن تزلّوا أبدًا" [10].
إن الجهاد هام لجعل الدعوة والاختيار ثابتين، فبدونه يزل الإنسان ويتعثر كالأعمى، ويخسر دعوته واختياره...
ولكن خشي الرسول لئلا ييأس أحد من خلاصه، لهذا أكمل قائلاً: "لأنه هكذا يقدم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدي" [11]. ملكوت الله مفتوح متسع للمجاهدين لأننا إن صبرنا معه، فسنملك معه أيضًا (تي 2: 12). أبوابه مفتوحة على مصراعيه، لأن الله سخي وكريم.
3. تأكيد الملكوت الأبدي
أولاً: أنه لا يحتاج إلى تذكير
موضوع الملكوت ليس أمرًا جديدًا بل يكتب إليهم عنه لمجرد التذكرة.
"لذلك لا أهمل أن أذكركم دائمًا بهذه الأمور، وإن كنتم عالمين ومثبتين في الحق الحاضر. لكنني أحسبه حقًا مادمت في هذا المسكن أن أنهضكم بالتذكرة. عالمًا أن خلع مسكني قريب، كما أعلن لي ربنا يسوع المسيح أيضًا. فاجتهدوا أيضًا أن تكونوا بعد خروجي تتذكرون كل حين بهذه الأمور" [12-15].
أدرك الرسول اقتراب خلع مسكنه، كما روى القديس أمبروسيوس أن الوثنيين استشاطوا غيظًا فأرادوا قتله، فأوعز إليه المؤمنون أن يهرب. قبل الرسول مشورتهم، وفيما هو خارج من باب مدينة روما رأى السيد داخلاً فسأله القديس: إلي أين تذهب يا سيدي؟ فأجابه: إلي روما لكي أصلب ثانية. فأدرك بطرس أن السيد المسيح يريد استشهاده، فرجع للحال وأخبر المؤمنين بذلك، وسُجن 9 شهور إلى أن صلب منكّس الرأس، وقطعت رأس بولس الرسول بالسيف في نفس اليوم.
إدراكه اقتراب يوم انتقاله جعله لا يهمل أن يُذكّر أولاده بأبديتهم بالرغم من علمهم بها. وهذا التذكر لا يمل منه المؤمن مهما تكرر، بل يتوق لسماعه كمن يسمعه لأول مرة.
ونلاحظ أن الرسول يطالب أولاده أن يتذكروا هذا بعد انتقاله.
ثانيًا: التجلي يشهد لملكوته
"لأننا لم نتبع خرافات مصنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته" [16].
لم تكن الكرازة بالملكوت من وحي خيال الرسل، بل عرفوا وعاينوا عظمة الرب وقوته خلال أعماله وفي تجلّيه، وقد عاين بطرس مع يعقوب ويوحنا التجلي الذي قال عنه الرب: "إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته" (مت 16: 28). وقد شهد أيضًا يوحنا بما عاينه في التجلي قائلاً: "ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا" (يو1: 14).
ثالثًا: وماذا أدرك في التجلي؟
"لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى، هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس" [17-18].
1. انكشفت كرامته ومجده اللذان أخذهما من الآب، فإذ أخلى ذاته بإرادته، صار عبدًا ليعود فيتقبل الكرامة والمجد اللذين له من يديّ الآب في طاعة كاملة. هذا القبول ليس من أجل نفسه، لكنه قبول البشرية كلها في شخصه، لكي نكون شركاء معه في كرامته ومجده.
2. الآب يشهد له أنه ابنه الحبيب الذي به سُر، ولم يكن ذلك وهمًا بل "نحن سمعناه" وعلى شاهدين أو ثلاثة تقوم الشهادة.
3. هذا الصوت "من السماء"، لأن مجد الرب وكرامته ليسا أرضيين بل سماويين.
4. تجلّي الرب جعله الجبل مقدسًا "إذ كنا معه في الجبل المقدس".
رابعًا: الأنبياء يشهدون له
"وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم، إلى أن يتفجر النهار، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" [19].
يهتم الرسول بطرس كخادم للختان بشهادة نبوات العهد القديم (1 بط 1: 10-12، أع 3: 20-21) وهي أثبت. إنها شهادة أنبياء من أزمنة مختلفة تدور حول تجسد الرب وآلامه وصلبه وقيامته وأمجاده ومجيئه الثاني.
يمدحهم الرسول من أجل اهتمامهم بدراستها وفحصها بتدقيق "التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير"، يبدد الظلمة، ويشرق في القلب كوكب الصبح - الرب يسوع - ويظهر نهاره مضيئًا ظلمة القلب.
"عالمين هذا أولاً، أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس اللَّه القديسون، مسوقين من الروح القدس" [20-21].
سجّل الأنبياء نبواتهم لا عن اجتهاد بشري، أي ليس عن تفسير خاص، بل بوحي من الروح القدس. إنهم أشبه بالقيثارة في يدي الروح تحركها لتعطي لحنًا عذبًا عن محبة اللَّه المعلنة في تجسد الرب وموته وقيامته ومجيئه الثاني لنرث معه.
وقد دعاهم الرسول "أناس اللَّه"، لأنهم قيثارته، مسوقين كالسفينة التي يوجهها ربّان ماهر.
هذا ما نطق به الرسول أيضًا قائلاً: "أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود" (أع 1: 15).
ويقول الأب هيبوليتس:
[يقال عن الأنبياء الطوباويين أنهم عيوننا، إذ سبق فرأوا خلال الإيمان أسرار الكلمة، وصاروا خدامًا لتلك الأمور الخاصة بالأجيال المتعاقبة، فلا يتحدثون فقط عن الأمور الماضية، بل ويعلنون الحاضر والمستقبل...
لأن هؤلاء انتعشوا بالروح القدس، وتكرّموا كثيرًا بالكلمة ذاته، وهكذا كانوا كآلات موسيقى، وكانت لهم الكلمة دائمًا مثل آلة plectrum يعملون معًا في انسجام، وإذ كان الكلمة (المسيح) يحثهم يعلنون إرادة اللَّه، لأنهم لم يكونوا يتكلمون من ذواتهم، ولا حسب أهوائهم.]
1 سمعان بطرس عبد يسوع المسيح و رسوله الى الذين نالوا معنا ايمانا ثمينا مساويا لنا ببر الهنا و المخلص يسوع المسيح
2 لتكثر لكم النعمة و السلام بمعرفة الله و يسوع ربنا
3 كما ان قدرته الالهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة و التقوى بمعرفة الذي دعانا بالمجد و الفضيلة
4 اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى و الثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الالهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة
5 و لهذا عينه و انتم باذلون كل اجتهاد قدموا في ايمانكم فضيلة و في الفضيلة معرفة
6 و في المعرفة تعففا و في التعفف صبرا و في الصبر تقوى
7 و في التقوى مودة اخوية و في المودة الاخوية محبة
8 لان هذه اذا كانت فيكم و كثرت تصيركم لا متكاسلين و لا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح
9 لان الذي ليس عنده هذه هو اعمى قصير البصر قد نسي تطهير خطاياه السالفة
10 لذلك بالاكثر اجتهدوا ايها الاخوة ان تجعلوا دعوتكم و اختياركم ثابتين لانكم اذا فعلتم ذلك لن تزلوا ابدا
11 لانه هكذا يقدم لكم بسعة دخول الى ملكوت ربنا و مخلصنا يسوع المسيح الابدي
12 لذلك لا اهمل ان اذكركم دائما بهذه الامور و ان كنتم عالمين و مثبتين في الحق الحاضر
13 و لكني احسبه حقا ما دمت في هذا المسكن ان انهضكم بالتذكرة
14 عالما ان خلع مسكني قريب كما اعلن لي ربنا يسوع المسيح ايضا
15 فاجتهد ايضا ان تكونوا بعد خروجي تتذكرون كل حين بهذه الامور
16 لاننا لم نتبع خرافات مصنعة اذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح و مجيئه بل قد كنا معاينين عظمته
17 لانه اخذ من الله الاب كرامة و مجدا اذ اقبل عليه صوت كهذا من المجد الاسنى هذا هو ابني الحبيب الذي انا سررت به
18 و نحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء اذ كنا معه في الجبل المقدس
19 و عندنا الكلمة النبوية و هي اثبت التي تفعلون حسنا ان انتبهتم اليها كما الى سراج منير في موضع مظلم الى ان ينفجر النهار و يطلع كوكب الصبح في قلوبكم
20 عالمين هذا اولا ان كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص
21 لانه لم تات نبوة قط بمشيئة انسان بل تكلم اناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس
طريق الجهاد
"قدموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة. وفي المعرفة تعففًا، وفي التعفف صبرًا، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودة أخوية، وفي المودة الأخوية محبة" [6-7].
يربط الرسول الفضائل بعضها البعض دون تقديم الواحدة عن الأخرى، فلا يقول "بعد إيمانكم فضيلة" بل "في إيمانكم فضيلة". وكما يؤكد آباء الكنيسة أن الفضائل كما الرذائل هي سلسلة مترابطة وانعكاسات على بعضها البعض بطريقة لا تنفصل.
1. فضيلة: يطالبنا الرسول أن نقدم في الإيمان أعمالاً حتى لا يكون ميتًا.
2. معرفة: من يسير في الفضيلة بغير معرفة، يكون كمن يسير بلا هدف، ومن يدّعي المعرفة بغير السلوك في الفضيلة يكون ثرثارًا متكبرًا.
3. تعفف: من له معرفة عملية تعرف نفسه الخطية، بل وكل ما هو زمني مشتاقًا إلى الأبديات، وكما يستند التعفف أي ضبط النفس على المعرفة، يسند هو أيضًا المعرفة.
4. صبر: ضبط النفس أو التعفف النابع عن محبة السماويات يبعث في النفس قدرة على الاحتمال والصبر، فيترك الإنسان كل شيء برضا. هذا الصبر أو الاحتمال أيضًا يسند التعفف، لأن بدونه لا يقدر الإنسان أن يكون ضابطًا لنفسه.
5. تقوى: الاحتمال من أجل السماويات يهب للنفس تقوى، أي يبعث فيها الورع والمخافة الإلهية، وهذه التقوى تعين الإنسان، فيحتمل صابرًا.
6. المودة الأخوية: من يخاف الله ويتّقيه يعامل إخوته بلطفٍ وحنانٍ، وهذه المودة الأخوية أيضًا تملأ القلب ورعًا وتقوى.
7. المحبة: أما من يحب فقد اقتنى كل الفضائل، ولا تقوم فضيلة ما بغير محبة. هذا وقدر ما يتسع القلب للمودة الأخوية يحب الله، وقدر ما يحب الله يتسع لمودة الناس.
يقول القديس دوروثيؤس: [تصور دائرة تخرج من مركزها أشعة أو خطوط. فبقدر ما تبتعد الخطوط عن المركز تفترق عن بعضها البعض... وبالعكس كلما اقتربت من المركز تقاربت نحو بعضها البعض. افترض أن هذه الدائرة في العالم ومركز الدائرة هو الله. والخطوط من المركز إلى المحيط أو من المحيط إلى المركز هي طريق حياة البشر، فإننا نجد نفس الأمر، فبقدر ما يتحرك القديسون في داخل الدائرة تجاه المركز راغبين في الاقتراب من الله، يقترب كل منهما للآخر.]
أهمية الجهاد وخطورة التخلي عنه
1. "لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت، تصيّركم لا متكاسلين، ولا غير مثمرين، لمعرفة ربنا يسوع المسيح" [8].
متى كان فينا الجهاد في الفضائل السابق ذكرها، ونمونا فيها، تصّيرنا في حياة حيّة نشيطة مملوءة ثمارًا. هذه الثمار وسيلة للتعرف على ربنا يسوع معرفة حقيقية. من أجل هذا تطلب الكنيسة من الإشبين أن يزرع في الطفل المعمّد هذه الفضائل على الأرض الجيدة الخارجة من المعمودية والمرويّة بالماء حي والروح القدس.
2. "لأن الذي ليس عنده هذه هو أعمى، قصير البصر، قد نسى تطهير خطاياه السالفة" [9].
وأما من كان خاليًا منها فهو أعمى بلا بصيرة روحية، فقد إدراكه لقيمة التطهير السالف الذي ناله في المعمودية، وهو قصير البصر لا تتعدى عيناه الأرضيات، مضروب بالنسيان من جهة أعمال اللَّه معه.
3. "لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين، لأنكم إذا فعلتم ذلك لن تزلّوا أبدًا" [10].
إن الجهاد هام لجعل الدعوة والاختيار ثابتين، فبدونه يزل الإنسان ويتعثر كالأعمى، ويخسر دعوته واختياره...
ولكن خشي الرسول لئلا ييأس أحد من خلاصه، لهذا أكمل قائلاً: "لأنه هكذا يقدم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدي" [11]. ملكوت الله مفتوح متسع للمجاهدين لأننا إن صبرنا معه، فسنملك معه أيضًا (تي 2: 12). أبوابه مفتوحة على مصراعيه، لأن الله سخي وكريم.
3. تأكيد الملكوت الأبدي
أولاً: أنه لا يحتاج إلى تذكير
موضوع الملكوت ليس أمرًا جديدًا بل يكتب إليهم عنه لمجرد التذكرة.
"لذلك لا أهمل أن أذكركم دائمًا بهذه الأمور، وإن كنتم عالمين ومثبتين في الحق الحاضر. لكنني أحسبه حقًا مادمت في هذا المسكن أن أنهضكم بالتذكرة. عالمًا أن خلع مسكني قريب، كما أعلن لي ربنا يسوع المسيح أيضًا. فاجتهدوا أيضًا أن تكونوا بعد خروجي تتذكرون كل حين بهذه الأمور" [12-15].
أدرك الرسول اقتراب خلع مسكنه، كما روى القديس أمبروسيوس أن الوثنيين استشاطوا غيظًا فأرادوا قتله، فأوعز إليه المؤمنون أن يهرب. قبل الرسول مشورتهم، وفيما هو خارج من باب مدينة روما رأى السيد داخلاً فسأله القديس: إلي أين تذهب يا سيدي؟ فأجابه: إلي روما لكي أصلب ثانية. فأدرك بطرس أن السيد المسيح يريد استشهاده، فرجع للحال وأخبر المؤمنين بذلك، وسُجن 9 شهور إلى أن صلب منكّس الرأس، وقطعت رأس بولس الرسول بالسيف في نفس اليوم.
إدراكه اقتراب يوم انتقاله جعله لا يهمل أن يُذكّر أولاده بأبديتهم بالرغم من علمهم بها. وهذا التذكر لا يمل منه المؤمن مهما تكرر، بل يتوق لسماعه كمن يسمعه لأول مرة.
ونلاحظ أن الرسول يطالب أولاده أن يتذكروا هذا بعد انتقاله.
ثانيًا: التجلي يشهد لملكوته
"لأننا لم نتبع خرافات مصنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته" [16].
لم تكن الكرازة بالملكوت من وحي خيال الرسل، بل عرفوا وعاينوا عظمة الرب وقوته خلال أعماله وفي تجلّيه، وقد عاين بطرس مع يعقوب ويوحنا التجلي الذي قال عنه الرب: "إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته" (مت 16: 28). وقد شهد أيضًا يوحنا بما عاينه في التجلي قائلاً: "ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا" (يو1: 14).
ثالثًا: وماذا أدرك في التجلي؟
"لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى، هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس" [17-18].
1. انكشفت كرامته ومجده اللذان أخذهما من الآب، فإذ أخلى ذاته بإرادته، صار عبدًا ليعود فيتقبل الكرامة والمجد اللذين له من يديّ الآب في طاعة كاملة. هذا القبول ليس من أجل نفسه، لكنه قبول البشرية كلها في شخصه، لكي نكون شركاء معه في كرامته ومجده.
2. الآب يشهد له أنه ابنه الحبيب الذي به سُر، ولم يكن ذلك وهمًا بل "نحن سمعناه" وعلى شاهدين أو ثلاثة تقوم الشهادة.
3. هذا الصوت "من السماء"، لأن مجد الرب وكرامته ليسا أرضيين بل سماويين.
4. تجلّي الرب جعله الجبل مقدسًا "إذ كنا معه في الجبل المقدس".
رابعًا: الأنبياء يشهدون له
"وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم، إلى أن يتفجر النهار، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" [19].
يهتم الرسول بطرس كخادم للختان بشهادة نبوات العهد القديم (1 بط 1: 10-12، أع 3: 20-21) وهي أثبت. إنها شهادة أنبياء من أزمنة مختلفة تدور حول تجسد الرب وآلامه وصلبه وقيامته وأمجاده ومجيئه الثاني.
يمدحهم الرسول من أجل اهتمامهم بدراستها وفحصها بتدقيق "التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير"، يبدد الظلمة، ويشرق في القلب كوكب الصبح - الرب يسوع - ويظهر نهاره مضيئًا ظلمة القلب.
"عالمين هذا أولاً، أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس اللَّه القديسون، مسوقين من الروح القدس" [20-21].
سجّل الأنبياء نبواتهم لا عن اجتهاد بشري، أي ليس عن تفسير خاص، بل بوحي من الروح القدس. إنهم أشبه بالقيثارة في يدي الروح تحركها لتعطي لحنًا عذبًا عن محبة اللَّه المعلنة في تجسد الرب وموته وقيامته ومجيئه الثاني لنرث معه.
وقد دعاهم الرسول "أناس اللَّه"، لأنهم قيثارته، مسوقين كالسفينة التي يوجهها ربّان ماهر.
هذا ما نطق به الرسول أيضًا قائلاً: "أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود" (أع 1: 15).
ويقول الأب هيبوليتس:
[يقال عن الأنبياء الطوباويين أنهم عيوننا، إذ سبق فرأوا خلال الإيمان أسرار الكلمة، وصاروا خدامًا لتلك الأمور الخاصة بالأجيال المتعاقبة، فلا يتحدثون فقط عن الأمور الماضية، بل ويعلنون الحاضر والمستقبل...
لأن هؤلاء انتعشوا بالروح القدس، وتكرّموا كثيرًا بالكلمة ذاته، وهكذا كانوا كآلات موسيقى، وكانت لهم الكلمة دائمًا مثل آلة plectrum يعملون معًا في انسجام، وإذ كان الكلمة (المسيح) يحثهم يعلنون إرادة اللَّه، لأنهم لم يكونوا يتكلمون من ذواتهم، ولا حسب أهوائهم.]
1 سمعان بطرس عبد يسوع المسيح و رسوله الى الذين نالوا معنا ايمانا ثمينا مساويا لنا ببر الهنا و المخلص يسوع المسيح
2 لتكثر لكم النعمة و السلام بمعرفة الله و يسوع ربنا
3 كما ان قدرته الالهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة و التقوى بمعرفة الذي دعانا بالمجد و الفضيلة
4 اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى و الثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الالهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة
5 و لهذا عينه و انتم باذلون كل اجتهاد قدموا في ايمانكم فضيلة و في الفضيلة معرفة
6 و في المعرفة تعففا و في التعفف صبرا و في الصبر تقوى
7 و في التقوى مودة اخوية و في المودة الاخوية محبة
8 لان هذه اذا كانت فيكم و كثرت تصيركم لا متكاسلين و لا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح
9 لان الذي ليس عنده هذه هو اعمى قصير البصر قد نسي تطهير خطاياه السالفة
10 لذلك بالاكثر اجتهدوا ايها الاخوة ان تجعلوا دعوتكم و اختياركم ثابتين لانكم اذا فعلتم ذلك لن تزلوا ابدا
11 لانه هكذا يقدم لكم بسعة دخول الى ملكوت ربنا و مخلصنا يسوع المسيح الابدي
12 لذلك لا اهمل ان اذكركم دائما بهذه الامور و ان كنتم عالمين و مثبتين في الحق الحاضر
13 و لكني احسبه حقا ما دمت في هذا المسكن ان انهضكم بالتذكرة
14 عالما ان خلع مسكني قريب كما اعلن لي ربنا يسوع المسيح ايضا
15 فاجتهد ايضا ان تكونوا بعد خروجي تتذكرون كل حين بهذه الامور
16 لاننا لم نتبع خرافات مصنعة اذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح و مجيئه بل قد كنا معاينين عظمته
17 لانه اخذ من الله الاب كرامة و مجدا اذ اقبل عليه صوت كهذا من المجد الاسنى هذا هو ابني الحبيب الذي انا سررت به
18 و نحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء اذ كنا معه في الجبل المقدس
19 و عندنا الكلمة النبوية و هي اثبت التي تفعلون حسنا ان انتبهتم اليها كما الى سراج منير في موضع مظلم الى ان ينفجر النهار و يطلع كوكب الصبح في قلوبكم
20 عالمين هذا اولا ان كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص
21 لانه لم تات نبوة قط بمشيئة انسان بل تكلم اناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.